محمد هادي معرفة

318

التمهيد في علوم القرآن

ثلاثا ، فإن قلت فلك كذا من الإبل العصافير « 1 » وإلّا فضربة بالسيف بالغة ما بلغت ! فخرج النابغة وهو وجل وأتى زهير بن أبي سلمى والد كعب ، وكان زميله في الشعر والقريض فنحر له وأكرمه وقصّ عليه الخبر ، فجلسا يفكّران لا يصفران شيئا ، وكان كعب حينذاك صبيّا يلعب بالتراب مع الصبيان . فأقبل فرأى كلّا منهما واضعا ذقنه على صدره يفكّر ! فقال : يا أبت ما لي أراك قد اغتممت ؟ فقال : تنحّ ! فدعاه النابغة ووضعه على فخذه ، وأنشده البيت . فقال كعب للنابغة : يا عمّ ما يمنعك أن تقول : وذلك إن فللت الغيّ عنها * فتمنع جانبيها أن تميلا فضمّه أبوه إليه وقال : ابني وربّ الكعبة . وأعجب النابغة ، فغدا على النعمان وأنشده ، وساق الإبل إلى كعب فأبى أن يقبلها منه . مات أبوه زهير كافرا قبل المبعث ، وبقي كعب وأخوه بجير كافرين ، حتى فتح اللّه مكة على يد رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) فاتفق أنّ كعبا وبجير خرجا في غنم لهما حتى أتيا أبرق وذلك عند منصرف رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) عن الطائف سنة تسع من الهجرة ، فقال بجير لكعب : أثبت في غنمنا حتى آتى هذا الرجل فأسمع ما يقول . فجاء بجير رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) فأسلم ، فبلغ ذلك كعبا ، فقال : ألا أبلغا عنّي بجيرا رسالة * على أي شيء ويب غيرك دلّكا ؟ في أبيات . . يهجو بها رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) ! « 2 »

--> ( 1 ) العصفور : السيّد والمقصود هنا : النجائب . ( 2 ) اختلف نقل الأبيات ، كذا نقلها ابن هشام : ج 4 ص 145 . قوله : « ويب غيرك » . ويب بالواو : كلمة مثل ويل لفظا ومعنا ، منصوب على إضمار فعل ، وهو دعاء بالهلاك أي ليهلك غيرك ، مقصودا به النّبي ( صلى اللّه عليه وآله ) وقبله : « وخالفت أسباب الهدى واتبعته » فيما سجّله ابن هشام ، فراجع .